فصل: بيان مظان الحاجة إلى الصبر وأن العبد لا يستغني عنه في حال من الأحوال

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: إحياء علوم الدين **


كتاب الصبر والشكر

وهو الكتاب الثاني من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله أهل الحمد والثناء المنفرد برداء الكبرياء المتوحد بصفات المجد والعلاء المؤيد صفوة الأولياء بقوة الصبر على السراء والضراء والشكر على البلاء والنعماء والصلاة على محمد سيد الأنبياء وعلى أصحابه سادة الأصفياء وعلى آله قادة البررة الأتقياء صلاة محروسة بالدوام عن الفناء‏:‏ ومصونة بالتعاقب عن التصرم والانقضاء‏.‏

أما بعد‏:‏ فإن الإيمان نصفان‏:‏ نصف صبر ونصف شكركما وردت به الآثار وشهدت له الأخبار‏.‏

وهما أيضاً وصفان من أوصاف الله تعالى واسمان من أسمائه الحسنى إذ سمى نفسه صبوراً و شكوراً فالجهل بحقيقة الصبر والشكر جهل بكلا شطري الإيمان ثم هو غفلة عن وصفين من أوصاف الرحمن ولا سبيل إلى الوصول إلى القرب من الله تعالى إلا بالإيمان وكيف يتصور سلوك سبيل الإيمان دون معرفة ما به الإيمان ومن به الإيمان والتقاعد عن معرفة الصبر والشكر تقاعد عن معرفة من به الإيمان وعن إدراك ما به الإيمان فما أحوج كلا الشطرين إلى الإيضاح والبيان‏.‏

ونحن نوضح كلا الشطرين في كتاب واحد لارتباط أحدهما بالآخر إن شاء الله تعالى‏.‏

الشطر الأول في الصبر وفيه بيان فضيلة الصبر وبيان حده وحقيقته وبيان كونه نصف الإيمان وبيان اختلاف أساميه باختلاف متعلقاته وبيان أقسامه بحسب اختلاف القوة والضعف وبيان مظان الحاجة إلى الصبر وبيان دواء الصبر وما يستعان به عليه‏.‏

فهي سبعة فصول تشتمل على جميع مقاصده إن شاء الله تعالى‏.‏

بيان فضيلة الصبر

وقد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر وجعلها ثمرة له فقال عز من قائل‏:‏ ‏"‏ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ‏"‏ فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر ولأجل كون الصوم من الصبر وأنه نصف الصبر قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ الصوم لي وأنا أجزي به ‏"‏ فأضافه إلى نفسه من بين سائر العبادات ووعد الصابرين بأنه معهم فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ واصبروا إن الله مع الصابرين ‏"‏ وعلق النصرة على الصبر فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ‏"‏ وجمع للصابرين بين أمور لم يجمعها لغيرهم فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ أولئك عليه صلوات من ربهم ورحمة أولئك هم المهتدون ‏"‏ فالهدى والرحمة والصلوات مجموعة للصابرين‏.‏

واستقصاء جميع الآيات في مقام الصبر يطول‏.‏

وأما الأخبار فقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الصبر نصف الإيمان ‏"‏ على ما سيأتي وجه كونه نصفاً وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطي حظه منهما لم يبال بما فاته من قيام الليل وصيام النهار ولأن تصبروا على ما أنتم عليه أحب إلي من أن يوافيني كل امرئ منكم بمثل عمل جميعكم ولكني أخاف أن تفتح عليكم الدنيا بعدي فينكر بعضكم بعضاً وينكركم أهل السماء عند ذلك فمن صبر واحتسب ظفر بكمال ثوابه ثم قرأ قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ ما عندكم ينفد وما عنده الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم ‏"‏ الآية وروى جابر أنه سئل صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال‏:‏ ‏"‏ الصبر والسماحة ‏"‏ وقال أيضاً‏:‏ ‏"‏ الصبر كنز من كنوز الجنة ‏"‏ وسئل مرة‏:‏ ما الإيمان فقال‏:‏ ‏"‏ الصبر ‏"‏ وهذا يشبه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الحج عرفة ‏"‏ معناه معظم الحج عرفة وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس ‏"‏ وقيل‏:‏ أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام‏:‏ تخلق بأخلاقي وأن من أخلاقي أني أنا الصبور‏.‏

وفي حديث عطاء عن ابن عباس‏:‏ لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار فقال‏:‏ ‏"‏ أمؤمنون أنتم ‏"‏ فسكتوا فقال عمر‏:‏ نعم يا رسول الله قال‏:‏ ‏"‏ وما علامة إيمانكم ‏"‏ قالوا‏:‏ نشكر على الرخاء ونصبر على البلاء ونرضى بالقضاء فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مؤمنون ورب الكعبة ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ في الصبر على ما تكره خير كثير ‏"‏ وقال المسيح عليه السلام‏:‏ إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بصبركم على ما تكرهون‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لو كان الصبر رجلاً لكان كريماً والله يحب الصابرين ‏"‏ والأخبار في هذا لا تحصى‏.‏

وأما الآثار فقد وجد في رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري‏:‏ عليك بالصبر واعلم أن الصبر صبران أحدهما أفضل من الآخر الصبر في المصيبات حسن وأفضل منه الصبر عما حرم الله تعالى‏.‏

واعلم أن الصبر ملاك الإيمان وذلك بأن التقوى أفضل البر

والتقوى بالصبر وقال علي كرم الله وجهه‏:‏ بني الإيمان على أربع دعائم‏:‏ اليقين والصبر والجهاد والعدل‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ولا جسد لمن لا رأس له ولا إيمان لمن لا صبر له‏.‏

وكان عمر رضي الله عنه يقول‏:‏ نعم العدلان ونعمت العلاوة للصابرين يعني بالعدلين الصلاة والرحمة وبالعلاوة ما يحمل فوق العدلين على البعير وأشاربه إلى قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ‏"‏ وكان حبيب بن أبي حبيب إذا قرأ هذه الآية‏:‏ ‏"‏ إنا وجدناه صابراً نعم العبد إنه أواب ‏"‏ بكى وقال‏:‏ واعجباه أعطى وأثنى أي هو المعطي للصبر وهو المثني‏.‏

وقال أبو الدرداء‏:‏ ذروة الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر‏.‏

هذا بيان فضيلة الصبر من حيث النقل وأما من حيث النظر بعين الاعتبار فلا تفهمه إلا بعد فهم حقيقة الصبر ومعناه إذ معرفة الفضيلة والرتبة معرفة صفة فلا تحصل قبل معرفة الموصوف فلنذكر حقيقته ومعناه وبالله التوفيق‏.‏

اعلم أن الصبر مقام من مقامات الدين ومنزل من منازل السالكين وجميع مقامات الدين إنما تنتظم من ثلاثة أمور‏:‏ معارف وأحوال وأعمال‏.‏

فالمعارف هي الأصول وهي تورث الأحوال والأحوال تثمر الأعمال فالمعارف كالأشجار والأحوال كالأغصان والأعمال كالثمار‏.‏

وهذا مطرد في جميع منازل السالكين إلى الله تعالى‏.‏

واسم الإيمان تارة يختص بالمعارف وتارة يطلق على الكل - كما ذكرناه في اختلاف اسم الإيمان والإسلام في كتاب قواعد العقائد - وكذلك الصبر لا يتم إلا بمعرفة سابقة وبحالة قائمة‏.‏

فالصبر على التحقيق عبارة عنها والعمل هو كالثمرة يصدر عنها ولا يعرف هذا إلا بمعرفة كيفية الترتيب بين الملائكة والإنس والبهائم‏.‏

فإن الصبر خاصية الإنس ولا يتصور ذلك في البهائم والملائكة‏.‏

أما في البهائم فلنقصانها وأما في الملائكة فلكمالها‏.‏

وبيانه أن البهائم سلطت عليها الشهوات وصارت مسخرة لها فلا باعث لها على الحركة والسكون إلا الشهوة وليس فيها قوة تصادم الشهوة وتردها عن مقتضاها حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبراً‏.‏

وأما الملائكة عليهم السلام فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية بدرجة القرب منها ولم تسلط عليهم شهوة صارفة صادة عنها حتى يحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند وأما الإنسان فإنه خلق في ابتداء الصبا ناقصاً مثل البهيمة لم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه ثم تظهر فيه شهوة اللعب والزينة ثم شهوة النكاح على الترتيب وليس له قوة الصبر البتة إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر قام القتال بينهما لتضاد مقتضياتهما ومطالبهما وليس في الصبي إلا جند الهوى كما في البهائم ولكن الله تعالى بفضله وسعة جوده أكرم بني آدم ورفع درجتهم عن درجة البهائم فوكل به عند كمال شخصه بمقاربة البلوغ ملكين أحدهما يهديه والآخر يقويه فتميز بمعونة الملكين عن البهائم‏.‏

واختص بصفتين‏:‏ إحداهما معرفة الله تعالى ومعرفة رسوله ومعرفة الصالح المتعلقة بالعواقب وكل ذلك حاصل من الملك الذي

إليه الهداية والتعريف‏.‏

فالبهيمة لا معرفة لها ولا هداية إلى مصلحة العواقب بل إلى مقتضى شهواتها في الحال فقط فلذلك لا تطلب إلا اللذيذ‏.‏

وأما الدواء النافع مع كونه مضراً في الحال فلا تطلبه ولا تعرفه فصار الإنسان بنور الهداية يعرف أن اتباع الشهوات له مغبات مكروهة في العاقبة ولكن لم تكن هذه الهداية كافية ما لم تكن له قدرة على ترك ما هو مضر فكم من مضر يعرفه الإنسان كالمرض النازل به مثلاً ولكن لا قدرة له على دفعه فافتقر إلى قدرة وقوة يدفع بها في نحر الشهوات فيجاهدها بتلك القوة حتى يقطع عداوتها عن نفسه فوكل الله تعالى به ملكاً آخر يسدده ويؤيده ويقويه بجنود لم تروها وأمر هذا الجند بقتال جند الشهوة فتارة يضعف هذا الجند وتارة يقوي ذلك بحسب إمداد الله تعالى عبده بالتأييد كما أن نور الهداية أيضاً يختلف في الخلق اختلافاً لا ينحصر‏.‏

فلنسم هذه الصفة التي بها فارق الإنسان البهائم في قمع الشهوات وقهرها‏:‏ باعثاً دينياً ولنسم مطالبة الشهوات بمقتضياتها‏:‏ باعث الهوى‏.‏

وليفهم أن القتال قائم بين باعث الدين وباعث الهوى والحرب بينهما سجال ومعركة هذا القتال قلب العبد‏.‏

ومدد باعث الدين من الملائكة الناصرين لحزب الله تعالى ومدد باعث الشهوة من الشياطين الناصرين لأعداء الله تعالى‏.‏

فالصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة‏.‏

فإن ثبت حتى قهره واستمر على مخالفة الشهوة فقد نصر حزب الله والتحق بالصابرين وإن تخاذل وضعف حتى غلبته الشهوة ولم يصبر في دفعها التحق بأتباع الشياطين‏.‏

فإن ترك الأفعال المشتهاة عمل يثمره حال يسمى‏:‏ الصبر وهو ثبات باعث الدين الذي هو في مقابلة باعث الشهوة‏.‏

وثبات باعث الدين حال تثمرها المعرفة بعداوة الشهوات ومضاداتها لأسباب السعادات في الدنيا والآخرة‏.‏

فإذا قوي يقينه - أعني المعرفة التي تسمى إيماناً وهو اليقين بكون الشهوة عدواً قاطعاً لطريق الله تعالى - قوي ثبات باعث الدين وإذا قوي ثباته تمت الأفعال على خلاف ما تتقاضاه الشهوة فلا يتم ترك الشهوة إلا بقوة باعث الدين المضاد لباعث الشهوة‏.‏

وقوة المعرفة والإيمان تقبح مغبة الشهوات وسوء عاقبتها‏.‏

وهذان الملكان هما المتكفلان بهذين الجندين بإذن الله تعالى وتسخيره إياهما وهما من الكرام الكاتبين وهما الملكان الموكلان بكل شخص من الآدميين‏.‏

وإذا عرفت أن رتبة الملك الهادي أعلى من رتبة الملك المقوي لم يخف عليك أن جانب اليمين هو أشراف الجانبين من جنبتي الدست الذي ينبغي أن يكون مسلماً له‏.‏

فهو إذن صاحب اليمين والآخر صاحب الشمال‏.‏

وللعبد طوران في الغفلة والفكر وفي الاسترسال والمجاهدة‏.‏

فهو بالغفلة معرض عن صاحب اليمين ومسيء إليه فيكتب أعراضه سيئة وبالفكر مقبل عليه ليستفيد منه الهداية فهو به محسن فيكتب إقباله له حسنة‏.‏

وكذا بالاسترسال هو معرض عن صاحب اليسار تارك للاستمداد منه فهو به مسيء إليه فيثبت عليه سيئة وبالمجاهدة مستمد من جنوده فيثبت له به حسنة‏.‏

وإنما ثبتت هذه الحسنات والسيئات بإثباتهما فلذلك سمياً كراماً كاتبين‏.‏

أما الكرام فلانتفاع العبد بكرمهما ولأن الملائكة كلهم كرام بررة وأما الكاتبون فإثباتهما الحسنات والسيئات وإنما يكتبان في صحائف مطوية في سر القلب ومطوية عن سر القلب حتى لا يطلع عليه في هذا العالم فإنهما وكتبتهما وخطهما وصحائفهما وجملة ما تعلق بهما من جملة عالم الغيب و الملكوت لا من عالم الشهادة وكل شيء من عالم الملكوت لا تدركه الأبصار في هذا العالم ثم تنشر هذه الصحائف المطوية عنه مرتين‏:‏ مرة في القيامة الصغرى ومرة في القيامة الكبرى‏.‏

وأعني بالقيامة الصغرى حالة الموت إذ قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من مات فقد قامت قيامته ‏"‏ وفي هذه القيامة يكون العبد وحده وعندها يقال‏:‏ ‏"‏ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ‏"‏ وفيها يقال‏:‏ ‏"‏ كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً ‏"‏ أما في القيامة الكبرى الجامعة لكافة الخلائق فلا يكون وحده بل ربما يحاسب على ملأ من الخلق وفيها يساق المتقون إلى الجنة والمجرمون إلى النار زمراً لا آحاداً والهول الأول هو هول القيامة الصغرى‏.‏

ولجميع أهوال القيامة الكبرى نظير في القيامة الصغرى مثل زلزلة الأرض مثلاً فإن أرضك الخاصة بك تزلزل في الموت فإنك تعلم أن الزلزلة إذا نزلت ببلدة صدق أن يقال قد زلزلت أرضهم وإن لم تزلزل البلاد المحيطة بها بل لو زلزل مسكن الإنسان وحده فقد حصلت الزلزلة في حقه لأنه إنما يتضرر عند زلزلة جميع الأرض بزلزلة مسكنه لا بزلزلة مسكن غيره فحصته من الزلزلة قد توفرت من غير نقصان واعلم أنك أرضى مخلوق من التراب‏.‏

وحظك الخاص من التراب بدنك فقط فأما بدن غيرك فليس بحظك‏.‏

والأرض التي أنت جالس عليها بالإضافة إلى بدنك ظرف ومكان وإنما تخاف من تزلزله أن يتزلزل بدنك بسببه وإلا فالهواء أبداً متزلزل وأنت لا تخشاه إذ ليس يتزلزل به بدنك فحظك من زلزلة الأرض كلها زلزلة بدنك فقط فهي أرضك وترابك الخاص بك وعظامك جبال أرضك ورأسك سماء أرضك وقلبك شمس أرضك وسمعك وبصرك وسائر خواصك نجوم سمائك ومفيض العرق من بدنك بحر أرضك وشعورك نبات أرضك وأطرافك أشجار أرضك وهكذا إلى جميع أجزائك فإذا انهدم بالموت أركان بدنك فقد زلزلت الأرض زلزالها فإذا انفصلت العظام من اللحوم فقد حملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة فإذا رمت العظام فقد نسفت الجبال نسفاً فإذا أظلم قلبك عند الموت فقد كورت الشمس تكويراً فإذا بطل سمعك وبصرك وسائر حواسك فقد انكدرت النجوم انكداراً فإذا انشق دماغك فقد انشقت السماء انشقاقاً فإذا انفجرت من هول الموت عرق جبينك فقد فجرت البحار تفجيراً فإذا التفت إحدى ساقيك بالأخرى وهما مطيتاك فقد عطلت العشار تعطيلاً فإذا فارقت الروح الجسد فقد حملت الأرض فمدت حتى ألقت ما فيها وتخلت ولست أطول بجميع موازنة الأحوال والأهوال ولكني أقول بمجرد الموت تقوم عليك هذه القيامة الصغرى ولا يفوتك من القيامة الكبرى شيء مما يخصك بل ما يخص غيرك فإن بقاء الكواكب في حق غيرك ماذا ينفعك وقد انتثرت حواسك التي بها تنتفع بالنظر إلى الكواكب والأعمى يستوي عند الليل والنهار وكسوف الشمس وانجلاؤها لأنها قد كسفت في حقه دفعة واحدة

وهو حصته منها فالانجلاء بعد ذلك حصة غيره من انشق رأسه فقد انشقت سماؤه إذ السماء عبارة عما بلى جهة الرأس فمن لا رأس له لا سماء له فمن أين ينفعه بقاء السماء لغيره فهذه هي القيامة الصغرى‏.‏

والخوف بعد أسفل والهول بعد مؤخر وذلك إذا جاءت الطامة الكبرى وارتفع الخصوص وبطلت السموات والأرض ونسفت الجبال ونمت الأهوال‏.‏

واعلم أن هذه الصغرى وإن طولنا في وصفها فإنا لم نذكر عشير أوصافها وهي بالنسبة إلى القيامة الكبرى كالولادة الصغرى بالنسبة إلى الولادة الكبرى فإن للإنسان ولادتين‏:‏ إحداهما الخروج من الصلب والترائب إلى مستودع الأرحام فهو في الرحم في قرار مكين إلى قدر معلوم وله في سلوكه إلى الكمال منازل وأطوار من نطفة وعلقة ومضغة وغيرها إلى أن يخرج من مضيق الرحم إلى فضاء العالم فنسبة عموم القيامة الكبرى إلى خصوص القيامة الصغرى كنسبة سعة فضاء العالم إلى سعة فضاء الرحم ونسبة سعة العالم الذي يقدم عليه العبد بالموت إلى سعة فضاء الدنيا كنسبة فضاء الدنيا أيضاً إلى الرحم بل أوسع وأعظم فقس الآخرة بالأولى فما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة‏.‏

وما النشأة الثانية إلا على قياس النشأة الأولى بل أعداد النشآت ليست محصورة في اثنتين‏.‏

وإليه الإشارة بقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وننشئكم فيما لا تعلمون ‏"‏ فالمقر بالقيامتين مؤمن بعالم الغيب والشهادة وموقن بالملك والملكوت‏.‏

والمقر بالقيامة الصغرى دون الكبرى ناظر بالعين العوراء إلى أحد العالمين وذلك هو الجهل والضلال والإقتداء بالأعور الدجال‏.‏

فما أعظم غفلتك يا مسكين - وكلنا ذلك المسكين - وبين يديك هذه الأهوال فإن كنت لا تؤمن بالقيامة الكبرى بالجهل والضلال أفلا تكفيك دلالة القيامة الصغرى أو ما سمعت قول سيد الأنبياء‏:‏ ‏"‏ كفى بالموت واعظاً ‏"‏ أو ما سمعت بكربه عليه السلام عند الموت حتى قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اللهم هون على محمد سكرات الموت ‏"‏ أو ما تستحي من استبطائك هجوم الموت اقتداءً برعاع الغافلين الذين لا ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون فيأتيهم المرض نذيراً من الموت فلا ينزجرون ويأتيهم الشيب رسولاً منه فما يعتبرون فيا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون أفيظنون أنهم في الدنيا خالدون ‏"‏ أو لم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون ‏"‏ أم يحسبون أن الموتى سافروا من عندهم فهم معدومون كلا ‏"‏ وإن كل لما جميع لدينا محضرون ‏"‏ ولكن ‏"‏ ما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين ‏"‏ وذلك لأنا ‏"‏ جعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ‏"‏‏.‏

ولنرجع إلى الغرض فإن هذه تلويحات تشير إلى أمور هي أعلى من علوم المعاملة فنقول‏:‏ ظهر أن الصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقاومة باعث الهوى وهذه المقاومة من خاصة الآدميين لما وكل بهم من الكرام الكاتبين ولا يكتبان شيئاً عن الصبيان والمجانين إذ قد ذكرنا أن الحسنة في الإقبال على الاستفادة منهما والسيئة في الإعراض عنهما وما للصبيان والمجانين سبيل إلى الاستفادة فلا يتصور منهما إقبال وإعراض وهما لا يكتبان إلا الإقبال والإعراض من القادرين على الإقبال والإعراض ولعمري إنه قد تظهر مبادئ إشراق نور الهداية عند سن التمييز وتنمو على التدريج إلى سن البلوغ كما يبدو نور الصبح إلى أن يطلع قرص الشمس ولكنها هداية قاصرة لا ترشد إلى مضار الآخرة بل إلى مضار الدنيا فلذلك يضرب على ترك الصلاة ناجزاً ولا يعاقب على تركها في الآخرة ولا يكتب عليه من الصحائف ما ينشر في الآخرة‏.‏

بل على القيم العدل والولي البر الشفيق إن كان من الأبرار وكان على سمت الكرام الكاتبين البررة الأخيار - أن يكتب على الصبي سيئته وحسنته على صحيفة قلبه فيكتب عليه بالحفاظ ثم ينشره عليه بالتعريف ثم يعذبه عليه بالضرب‏.‏

فكل ولي هذا سمته في حق الصبي فقد ورث أخلاق الملائكة واستعملها في حق الصبي‏.‏

فينال بها درجة القرب من رب العالمين كما نالته الملائكة فيكون مع النبيين والمقربين والصديقين‏.‏

وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة ‏"‏ وأشار إلى إصبعيه الكريمتين صلى الله عليه وسلم‏.‏

اعلم أن الإيمان تارة يختص في إطلاقه بالتصديقات بأصول الدين وتارة يختص بالأعمال الصالحة الصادرة منها وتارة يطلق عليهما جميعاً وللمعارف أبواب وللأعمال أبواب ولاشتمال لفظ الإيمان على جميعها كان الإيمان نيفاً وسبعين باباً واختلاف هذه الإطلاقات ذكرناه في كتاب قواعد العقائد من ربع العبادات‏.‏

ولكن الصبر نصف الإيمان باعتبارين وعلى مقتضى إطلاقين‏.‏

أحدهما‏:‏ أن يطلق على التصديقات والأعمال جميعاً‏.‏

فيكون للإيمان ركنان‏:‏ أحدهما اليقين والآخر الصبر‏.‏

والمراد باليقين المعارف القطعية الحاصلة بهداية الله تعالى عبده إلى أصول الدين‏.‏

والمراد بالصبر‏:‏ العمل بمقتضى اليقين إذ اليقين يعرفه أن المعصية ضارة والطاعة نافعة ولا يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطاعة إلا بالصبر وهو استعمال باعث الدين في قهر باعث الهوى والكسل فيكون الصبر نصف الإيمان بهذا الاعتبار ولهذا جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فقال‏:‏ ‏"‏ من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر‏.‏

‏"‏ الحديث إلى آخره‏.‏

الاعتبار الثاني‏:‏ أن يطلق على الأحوال المثمرة للأعمال لا على المعارف وعند ذلك ينقسم جميع ما يلاقيه العبد إلى ما ينفعه في الدنيا والآخرة أو يضره فيهما وله بالإضافة إلى ما يضره حال الصبر وبالإضافة إلى ما ينفعه حال الشكر فيكون الشكر أحد شطري الإيمان بهذا الاعتبار كما أن اليقين أحد الشطرين بالاعتبار الأول‏.‏

وبهذا النظر قال ابن مسعود رضي الله عنه‏:‏ الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر وقد يرفع أيضاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

ولما كان الصبر صبراً عن باعث الهوى بثبات باعث الدين وكان باعث الهوى قسمين باعث من جهة الشهوة وباعث من جهة الغضب فالشهوة لطلب اللذيذ والغضب للهرب من المؤلم وكان الصوم صبراً عن مقتضى الشهوة فقط وهي شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب قال صلى الله عليه وسلم بهذا الاعتبار‏:‏ ‏"‏ الصوم نصف الصبر ‏"‏ لأن كمال الصبر بالصبر عن دواعي الشهوة ودواعي الغضب جميعاً فيكون الصوم بهذا الاعتبار ربع الإيمان فهكذا ينبغي أن تفهم تقديرات الشرع بحدود الأعمال والأحوال ونسبتها إلى الإيمان‏:‏ والأصل فيه أن تعرف كثرة أبواب الإيمان فإن اسم الإيمان يطلق على وجوه مختلفة‏.‏

بيان الأسامي التي تتجدد للصبر بالإضافة إلى ما عنه الصبر

اعلم أن الصبر ضربان أحدهما ضرب بدني كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليها‏.‏

وهو إما بالفعل كتعاطي الأعمال الشاقة إما من العبادات أو من غيرها وإما بالاحتمال كالصبر على ولكن المحمود التام هو الضرب الآخر وهو الصبر النفسي عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى‏.‏

ثم هذا الضرب إن كان صبراً على شهوة البطن والفرج سمي عفة وإن كان على احتمال مكروه اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي غلب عليه الصبر‏.‏

فإن كان في مصيبة اقتصر على اسم الصبر وتضاده حالة تسمى الجزع والهلع وهو إطلاق داعي الهوى ليسترسل في رفع الصوت وضرب الخدود ورشق الجيوب وغيرهما وإن كان في احتمال الغنى سمي ضبط النفس وتضاده حالة تسمى البطر وإن كان في حرب ومقاتلة سمي شجاعة ويضاده الجبن وإن كان في كظم الغيظ والغضب سمي حلماً ويضاده التذمر‏.‏

وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة سمي سعة الصدر ويضاده الضجر والتبرم وضيق الصدر‏.‏

وإن كان في إخفاء كلام سمي كتمان السر وسمي صاحبه كتوماً‏.‏

وإن كان عن فضول العيش سمي زاهداً ويضاده الحرص‏.‏

وإن كان صبراً على قدر يسير من الحظوظ سمي قناعة ويضاده الشره فأكثر أخلاق الإيمان داخل في الصبر‏.‏

ولذلك لما سئل عليه السلام مرة عن الإيمان قال‏:‏ ‏"‏ هو الصبر ‏"‏ لأنه أكثر أعماله وأعزها كما قال‏:‏ ‏"‏ الحج عرفة ‏"‏ وقد جمع الله تعالى أقسام ذلك وسمى الكل صبراً فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ والصابرين في البأساء ‏"‏ أي المصيبة ‏"‏ والضراء ‏"‏ أي الفقر ‏"‏ وحين البأس ‏"‏ أي المحاربة ‏"‏ أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ‏"‏ فإذن هذه أقسام الصبر باختلاف متعلقاتها ومن يأخذ المعاني من الأسامي يظن أن هذه الأحوال مختلفة في ذواتها وحقائقها من حيث رأى الأسامي مختلفة والذي يسلك الطريق المستقيم وينظر بنور الله تعالى يلحظ المعاني أولاً فيطلع على حقائقها ثم يلاحظ الأسامي فإنها وضعت دالة على المعاني‏.‏

فالمعاني هي الأصول والألفاظ هي التوابع‏.‏

ومن يطلب الأصول من التوابع لا بد وأن يزل‏.‏

وإلى الفريقين الإشارة بقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أمن يمشي سوياً على صراط مستقيم ‏"‏ فإن الكفار لم يغلطوا فيما غلطوا فيه إلا بمثل هذه الانعكاسات نسأل الله حسن التوفيق بكرمه ولطفه‏.‏

بيان أقسام الصبر بحسب اختلاف القوة والضعف

اعلم أن باعث الدين بالإضافة إلى باعث الهوى له ثلاثة أحوال‏:‏ إحداها‏:‏ أن يقهر داعي الهوى فلا تبقى له قوة المنازعة ويتوصل إليه بدوام الصبر وعند هذا يقال من صبر ظفر‏.‏

والواصلون إلى هذه الرتبة هم الأقلون فلا جرم هم الصديقون المقربون ‏"‏ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ‏"‏ فهؤلاء لازموا الطريق المستقيم واستووا على الصراط القويم واطمأنت نفوسهم على مقتضى باعث الدين وإياهم ينادي المنادي ‏"‏ يا أيتها النفس المطمئنة الحالة الثانية‏:‏ أن تغلب دواعي الهوى وتسقط بالكلية منازعة باعث الدين فيسلم نفسه إلى جند الشياطين ولا يجاهد ليأسه من المجاهدة وهؤلاء هم الغافلون وهم الأكثرون وهم الذين استرقتهم شهواتهم وغلبت عليهم شقوتهم فحكموا أعداء الله في قلوبهم التي هي سر من أسرار الله تعالى وأمر من أمور الله‏.‏

وإليهم الإشارة بقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ ولو شئنا لآتينا كل نفسٍ هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ‏"‏ وهؤلاء هم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فخسرت صفقتهم وقيل لمن قصد إرشادهم‏:‏ ‏"‏ فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم ‏"‏ وهذه الحالة علامتها اليأس والقنوط والغرور بالأماني وهو غاية الحمق كما قال صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ‏"‏ الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ‏"‏ وصاحب هذه الحالة إذا وعظ قال‏:‏ أنا مشتاق إلى التوبة ولكنها قد تعذرت علي فلست أطمع فيها أو لم يكن مشتاقاً إلى التوبة ولكن قال‏:‏ إن الله غفور رحيم كريم فلا حاجة به إلى توبتي‏.‏

وهذا المسكين قد صار عقله رقيقاً لشهوته فلا يستعمل عقله إلا في استنباط دقائق الحيل التي بها يتوصل إلى قضاء شهوته‏.‏

فقد صار عقله في يد شهواته كمسلم أسير في أيدي الكفار فهم يستسخرونه في رعاية الخنازير وحفظ الخمور وحملها‏.‏

ومحله عند الله تعالى محل من يقهر مسلماً ويسلمه إلى الكفار ويجعله أسيراً عندهم لأنه بفاحش جنايته يشبه أنه سخر ما كان حقه أن لا يستسخر وسلط ما حقه أن لا يتسلط عليه وإنما استحق المسلم أن يكون متسلطاً لما فيه من معرفة الله وباعث الدين وإنما استحق الكافر أن يكون مسلطاً عليه لما فيه من الجهل بالدين وباعث الشياطين وحق المسلم على نفسه أوجب من حق غيره عليه‏.‏

فمهما سخر المعنى الشريف الذي هو من حزب الله وجند الملائكة للمعنى الخسيس الذي هو من حزب الشياطين المبعدين عن الله تعالى كان كمن أرق مسلماً لكافر بل هو كمن قصد الملك المنعم عليه فأخذ أعز أولاده وسلمه إلى أبغض أعدائه فانظر كيف يكون كفرانه لنعمته واستيجابه لنقمته‏!‏ لأن الهوى أبغض إله عبد في الأرض عند الله تعالى‏.‏

والعقل أعز موجود خلق على وجه الأرض‏.‏

الحالة الثالثة‏:‏ أن يكون الحرب سجالاً بين الجندين فتارة له اليد عليها وتارة لها عليه وهذا من المجاهدين يعد مثله لا من الظافرين وأهل هذه الحالة هم الذين‏:‏ ‏"‏ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم ‏"‏ هذا باعتبار القوة والضعف‏.‏

ويتطرق إليه أيضاً ثلاثة أحوال باعتبار عدد ما يصبر عنه‏:‏ فإنه إما أن يغلب جميع الشهوات أو لا يغلب شيئاً منها أو يغلب بعضها دون بعض‏.‏

وتنزيل قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ‏"‏ على من عجز عن بعض الشهوات دون بعض أولى‏.‏

والتاركون للمجاهدة مع الشهوات مطلقاً يشبهون بالأنعام بل هم أضل سبيلاً إذ البهيمة لم تخلق لها المعرفة والقدرة التي بها تجاهد مقتضى الشهوات وهذا قد خلق ذلك له وعطله فهو الناقص حقاً المدبر يقيناً ولذلك قيل‏:‏ ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام وينقسم الصبر أيضاً باعتبار اليسر والعسر إلى ما يشق على النفس فلا يمكن الدوام عليه إلا بجهد جهيد وتعب شديد ويسمى ذلك تصبراً وإلى ما يكون من غير شدة تعب بل يحصل بأدنى تحامل على النفس ويخص ذلك باسم الصبر‏.‏

وإذا دامت التقوى وقوى التصديق بما في العاقبة من الحسنى تيسر الصبر ولذلك قال تعالى‏:‏ ‏"‏ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ‏"‏ ومثال هذه القسمة قدرة المصارع على غيره فإن الرجل القوي يقدر على أن يصرع الضعيف بأدنى حملة وأيسر قوة بحيث لا يلقاه في مصارعته إعياء ولا لغوب ولا تضطرب في نفسه ولا ينبهر‏.‏

ولا يقوى على أن يصرع الشديد إلا بتعب ومزيد جهد وعرق جبين‏.‏

فهكذا تكون المصارعة بين باعث الدين وباعث الهوى فإنه على التحقيق صراع بين جنود الملائكة وجنود الشياطين‏.‏

ومهما أذعنت الشهوات وانقمعت وتسلط باعث الدين واستولى وتيسر الصبر بطول المواظبة أورث ذلك مقام الرضا - كما سيأتي في كتاب الرضا - فالرضا أعلى من الصبر ولذلك قال صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اعبد الله على الرضا فإن لم وقال بعض العارفين‏:‏ أهل الصبر على ثلاثة مقامات‏:‏ أولها ترك الشهوة وهذه درجة التائبين وثانيها الرضا بالمقدور وهذه درجة الزاهدين وثالثها المحبة لما يصنع به مولاه وهذه درجة الصديقين‏.‏

وسنبين في كتاب المحبة أن مقام المحبة أعلى من الرضا كما أن مقام الرضا أعلى من مقام الصبر وكأن هذا الانقسام يجري في صبر خاص وهو الصبر على المصائب والبلايا‏.‏

واعلم أن الصبر أيضاً ينقسم باعتبار حكمه إلى فرض ونفل ومكروه ومحرم‏.‏

فالصبر عن المحظورات فرض‏.‏

وعلى المكاره نفل والصبر على الأذى المحظور محظور كمن تقطع يده أو يد ولده وهو يصبر عليه ساكناً وكمن يقصد حريمه بشهوة محظورة فتهيج غيرته فيصبر عن إظهار الغيرة ويسكت على ما يجري على أهله فهذا الصبر محرم‏.‏

والصبر المكروه هو الصبر على أذى يناله بجهة مكروهة في الشرع فليكن الشرع محك الصبر‏.‏

فكون الصبر نصف الإيمان لا ينبغي أن يخيل إليك أن جميعه محمود بل المراد به أنواع من الصبر مخصوصة‏.‏

بيان مظان الحاجة إلى الصبر وأن العبد لا يستغني عنه في حال من الأحوال

اعلم أن جميع ما يلقى العبد في هذه الحياة لا يخلو من نوعين‏:‏ أحدهما هو الذي يوافق هواه‏.‏

والآخر هو الذي لا يوافقه بل يكرهه‏.‏

وهو محتاج إلى الصبر في كل منهما وهو في جميع الأحوال لا يخلو عن أحد هذين النوعين أو عن كليهما‏.‏

فهو إذن لا يستغني قط عن الصبر‏.‏

النوع الأول‏:‏ ما يوافق الهوى‏:‏ وهو الصحة والسلامة والمال والجاه وكثرة العشيرة واتساع الأسباب وكثرة الأتباع والأنصار وجميع ملاذ الدنيا‏.‏

وما أحوج العبد إلى الصبر على هذه الأمور فإنه إن لم يضبط نفسه عن الاسترسال والركون إليها والانهماك في ملاذها المباحة منها أخرجه ذلك إلى البطر والطغيان فإن الإنسان ليطغى إن رآه استغنى حتى قال بعض العارفين‏:‏ البلاء يصبر عليه المؤمن والعوافي لا يصبر عليها إلا صديق‏.‏

وقال سهل‏:‏ الصبر على العافية أشد من الصبر على البلاء ولما فتحت أبواب الدنيا على الصحابة رضي الله عنهم قالوا ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر ولذلك حذر الله عباده من فتنة المال‏.‏

والزوج والولد فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ‏"‏ وقال عز وجل‏:‏ ‏"‏ إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الولد مبخلة مجبنة محزنة ‏"‏ ولما نظر عليه السلام إلى ولده الحسن رضي الله عنه يتعثر في قميصه نزل عن المنبر واحتضنه ثم قال‏:‏ صدق الله ‏"‏ إنما أموالكم وأولادكم فتنة ‏"‏ إني لما رأيت ابني يتعثر لم أملك فالرجل كل الرجل من يصبر على العافية ومعنى الصبر عليها أن لا يركن إليها ويعلم أن كل ذلك مستودع عنده وعسى أن يسترجع على القرب وأن لا يرسل نفسه في الفرح بها ولا ينهمك في التنعيم واللذة واللهو واللعب وأن يرعى حقوق الله في ماله بالإنفاق وفي بدنه ببذل المعونة للخلق وفي لسانه ببذل الصدق وكذلك في سائر ما أنعم الله به عليه وهذا الصبر متصل بالشكر فلا يتم إلا بالقيام بحق الشكر - كما سيأتي - وإنما كان الصبر على السراء أشد لأنه مقرون بالقدرة ومن العصمة أن لا تقدر والصبر على الحجامة والفصد إذا تولاه غيرك أيسر من الصبر على فصدك نفسك وحجامتك نفسك والجائع عند غيبة الطعام أقدر على الصبر منه إذا حضرته الأطعمة الطيبة اللذيذة وقدر عليها فلهذا عظمت فتنة السراء‏.‏

النوع الثاني‏:‏ ما لا يوافق الهوى والطبع وذلك لا يخلو إما أن يرتبط باختيار العبد كالطاعات والمعاصي أو لا يرتبط باختياره كالمصائب والنوائب‏.‏

أو لا يرتبط باختياره ولكن له اختيار في إزالته كالتشفي من المؤذي بالانتقام منه فهذه ثلاثة أقسام‏:‏ القسم الأول‏:‏ ما يرتبط باختياره وهو سائر أفعاله التي توصف بكونها طاعة أو معصية وهما ضربان‏:‏ الضرب الأول الطاعة والعبد يحتاج إلى الصبر عليها فالصبر على الطاعة شديد لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية وتشتهي الربوبية ولذلك قال بعض العارفين‏:‏ ما من نفس إلا وهي مضمرة ما أظهر فرعون من قوله‏:‏ ‏"‏ أنا ربكم الأعلى ‏"‏ ولكن فرعون وجد له مجالاً وقبولاً فأظهره

إذ استخف قومه فأطاعوه وما من أحد إلا وهو يدعي ذلك مع عبده وخادمه وأتباعه وكل من هو تحت قهره وطاعته وإن كان ممتنعاً من إظهاره فإن استشاطته وغيظه عند تقصيرهم في خدمته واستبعاده ذلك ليس يصدر إلا عن إضمار الكبر ومنازعة الربوبية في رداء الكبرياء‏.‏

فإذن العبودية شاقة على النفس مطلقاً‏.‏

ثم من العبادات ما يكره بسبب الكسل كالصلاة ومنها ما يكره بسبب البخل كالزكاة‏.‏

ومنها ما يكره بسببهما جميعاً كالحج والجهاد‏.‏

فالصبر على الطاعة صبر على الشدائد‏.‏

ويحتاج المطيع إلى الصبر على طاعته في ثلاث أحوال‏:‏ الأولى قبل الطاعة وذلك في تصحيح النية والإخلاص والصبر عن شوائب الرياء ودواعي الآفات وعقد العزم على الإخلاص والوفاء‏.‏

وذلك من الصبر الشديد عند من يعرف حقيقة النية والإخلاص وآفات الرياء ومكايد النفس‏.‏

وقد نبه عليه صلوات الله عليه إذ قال‏:‏ ‏"‏ إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ‏"‏ ولهذا قدم الله تعالى الصبر على العمل فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ‏"‏‏.‏

الحالة الثانية‏:‏ حالة العمل كي لا يغفل عن الله في أثناء عمله ولا يتكاسل عن تحقيق آدابه وسننه ويدوم على شرط الأدب إلى آخر العمل الأخير فيلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ وهذا أيضاً من شدائد الصبر ولعله المراد بقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ نعم أجر العاملين الذين صبروا ‏"‏ أي اصبروا إلى تمام العمل‏.‏

الحالة الثالثة‏:‏ بعد الفرغ من العمل إذ يحتاج إلى الصبر عن إفشائه والتظاهر به للسمعة والرياء والصبر عن النظر إليه بعين العجب وعن كل ما يبطل عمله ويحبط أثره كما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولا تبطلوا أعمالكم ‏"‏ وكما قال تعالى‏:‏ ‏"‏ لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ‏"‏ فمن لا يصبر بعد الصدقة عن المن والأذى فقد أبطل عمله‏.‏

والطاعات تنقسم إلى فرض ونفل وهو محتاج إلى الصبر عليهما جميعاً وقد جمعهما الله تعالى في قوله‏:‏ ‏"‏ إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ‏"‏ فالعدل هو الفرض والإحسان هو النفل وإيتاء ذي القربى هو المروءة وصلة الرحم‏.‏

وكل ذلك يحتاج إلى صبر‏.‏

الضرب الثاني المعاصي فما أحوج العبد إلى الصبر عنها وقد جمع الله تعالى أنواع المعاصي في قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ المهاجر من هجر السوء والمجاهد من جاهد هواه ‏"‏ والمعاصي مقتضى باعث الهوى‏.‏

وأشد أنواع الصبر‏:‏ الصبر عن المعاصي التي صارت مألوفة بالعادة فإن العادة طيبة خامسة فإذا انضافت العادة إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند الله تعالى فلا يقوى باعث الدين على قمعها ثم إن كان ذلك الفعل مما تيسر فعله كان الصبر عنه أثقل على النفس كالصبر عن معاصي اللسان من الغيبة والكذب والمراء والثناء على النفس تعريضاً وتصريحاً وأنواع المزح المؤذي للقلوب وضروب الكلمات التي يقصد بها الإزراء والاستحقار وذكر الموتى والقدح فيهم وفي علومهم وسيرهم ومناصبهم فإن ذلك في ظاهره غيبة وفي باطنه ثناء على النفس فللنفس فيه شهوتان‏:‏ إحداهما نفي الغير والأخرى إثبات نفسه‏.‏

وبها تتم له الربوبية التي هي في طبعه وهي ضد ما أمر به من العبودية‏.‏

ولاجتماع الشهوتين وتيسر تحريك اللسان ومصير ذلك معتاداً في المحاورات يعسر الصبر عنها وهي أكبر الموبقات حتى بطل استنكارها واستقباحها من القلوب لكثرة تكريرها وعموم الأنس بها فترى الإنسان يلبس حريراً مثلاً فيستبعد غاية الاستبعاد ويطلق لسانه طول النهار في أعراض الناس ولا يستنكر ذلك مع ما ورد في الخبر من أن الغيبة أشد الزناومن لم يملك لسانه في المحاورات ولم يقدر على الصبر عن ذلك فيجب عليه العزلة والانفراد فلا ينجيه غيره فالصبر على الانفراد أهون من الصبر على السكوت مع المخالطة‏.‏

وتختلف شدة الصبر في آحاد المعاصي باختلاف داعية تلك المعصية في قوتها وضعفها وأيسر من حركة اللسان حركة الخواطر باختلاف الوساوس فلا جرم يبقى حديث النفس في العزلة ولا يمكن الصبر عنه أصلاً إلا بأن يغلب على القلب هم آخر في الدين يستغرقه كمن أصبح وهمومه هم واحد وإلا فإن لم يستعمل الفكر في شيء معين لم يتصور فتور الوسواس عنه‏.‏

القسم الثاني‏:‏ ما لا يرتبط هجومه باختياره في دفعه كما لو أوذي بفعل أو قول وجني عليه في نفسه أو ماله فالصبر على ذلك بترك المكافأة تارة يكون واجباً وتارة يكون فضيلة‏.‏

قال بعض الصحابة رضوان الله عليهم‏:‏ ما كنا نعد إيمان الرجل إيماناً إذا لم يصبر على الأذى‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ‏"‏ وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة مالاً فقالت بعض الأعراب من المسلمين‏:‏ هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحمرت وجنتاه ثم قال‏:‏ ‏"‏ يرحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ودع أذاهم وتوكل على الله ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك ‏"‏ الآية‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولتسمعن من الذي أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذي أشركوا أذىً كثيراً وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ‏"‏ أي تصبروا عن المكافأة‏.‏

ولذلك مدح الله تعالى العافين عن حقوقهم في القصاص وغيره فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير الصابرين ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ صل من قطعك وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك ‏"‏ ورأيت في الإنجيل‏:‏ قال عيسى بن مريم عليه السلام‏:‏ لقد قيل لكم من قبل إن السن بالسن والأنف بالأنف وأنا أقول لكم لا تقاوموا الشر بالشر بل من ضرب خدك الأيمن فحول إليه الخد الأيسر ومن أخذ رداءك فأعطه إزارك ومن سخرك لتسير معه ميلاً فسر معه ميلين‏.‏

وكل ذلك أمر بالصبر على الأذى‏.‏

فالصبر على أذى الناس من أعلى مراتب الصبر لأنه يتعاون فيه باعث الدين وباعث الشهوة والغضب جميعاً‏.‏

القسم الثالث‏:‏ ما لا يدخل تحت حصر الاختيار أوله وآخره كالمصائب‏:‏ مثل موت الأعزة وهلاك الأموال وزوال الصحة بالمرض وعمى العين وفساد الأعضاء‏.‏

وبالجملة سائر أنواع البلاء فالصبر على ذلك من أعلى مقامات الصبر‏.‏

قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ الصبر في القرآن على ثلاثة أوجه صبر على أداء فرائض الله تعالى فله ثلثمائة درجة وصبر عن محارم الله تعالى فله ستمائة درجة وصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى فله تسعمائة درجة‏.‏

وإنما فضلت هذه الرتبة مع أنها من الفضائل على ما قبلها وهي من الفرائض لأن كل مؤمن يقدر على الصبر عن المحارم‏.‏

فأما الصبر على بلاء الله تعالى فلا يقدر عليه إلا الأنبياء لأنه بضاعة الصديقين فإن ذلك شديد على النفس‏.‏

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أسألك من اليقين ما تهون علي به مصائب الدنيا ‏"‏ فهذا صبر مستنده حسن اليقين‏.‏

وقال أبو سليمان‏:‏ والله ما نصبر على ما نحب فكيف نصبر على ما نكره وقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ قال الله عز وجل‏:‏ إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة في بدنه أو ماله وولده ثم استقبل ذلك بصبر جميل استحييت منه يوم القيامة أن أنصب له ميزاناً أو أنشر له ديواناً ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ انتظار الفرج بالصبر عبادة ‏"‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ما من عبد مؤمن أصيب بمصيبة فقال كما أمر الله تعالى ‏"‏ إنا لله وإنا إليه راجعون ‏"‏ اللهم اؤجرني بمصيبتي وأعقبني خيراً منها إلا فعل الله به ذلك ‏"‏‏.‏

وقال أنس‏:‏ حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن الله عز وجل قال‏:‏ يا جبريل ما جزاء من سلبت كريمتيه قال‏:‏ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا قال الله تعالى‏:‏ جزاؤه الخلود في داري والنظر إلى وجهي ‏"‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يقول الله عز وجل إذا ابتليت عبدي ببلاءٍ فصبر ولم يشكني إلى عواده أبدلته لحماً خيراً من لحمه ودماً خير من دمه فإذا أبرأته أبرأته ولا ذنب له وإن توفيته فإلى وقال داود عليه السلام‏:‏ يا رب ما جزاء الحزين الذي يصبر على المصائب ابتغاء مرضاتك قال‏:‏ جزاؤه أن ألبسه لباس الإيمان فلا أنزعه عنه أبداً‏.‏

وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله في خطبته‏:‏ ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه وعوضه منها الصبر إلا كان ما عوضه منها أفضل مما انتزع وقرأ ‏"‏ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ‏"‏‏.‏

وسئل الفضيل عن الصبر فقال‏:‏ هو الرضا بقضاء الله قيل‏:‏ وكيف ذلك قال‏:‏ الراضي لا يتمنى فوق منزلته‏.‏

وقيل حبس الشبلي رحمه الله في المارستان فدخل عليه جماعة فقال‏:‏ من أنتم قالوا‏:‏ أحباؤك جاؤوك زائرين فأخذ يرميهم بالحجارة فأخذوا يهربون فقال‏:‏ لو كنتم أحبائي لصبرتم على بلائي‏.‏

وكان بعض العارفين في جيبه رقعة يخرجها كل ساعة ويطالعها وكان فيها ‏"‏ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ‏"‏‏.‏

ويقال إن امرأة فتح الموصلي عثرت فانقطع ظفرها فضحكت فقيل لها‏:‏ أما تجدين الوجع فقالت‏:‏ إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه‏.‏

وقال داود لسليمان عليهما السلام‏:‏ يستدل على تقوى المؤمن بثلاث‏:‏ حسن التوكل فيما لم ينل وحسن الرضا فيما قد نال وحسن الصبر فيما قد فات‏.‏

وقال نبينا صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من إجلال الله ومعرفة حقه أن لا تشكو وجعك ولا تذكر مصيبتك ‏"‏‏.‏

ويروى عن بعض الصالحين أنه خرج يوماً وفي كمه صرة فافتقدها فإذا هي قد أخذت من كمه فقال‏:‏ بارك الله له فيها لعله أحوج إليها مني‏.‏

وروي عن بعضهم أنه قال‏:‏ مررت على سالم مولى أبي حذيفة في القتلى وبه رمق فقلت له‏:‏ أسقيك ماء فقال‏:‏ جرني قليلاً إلى العدو واجعل الماء في الترس فإني صائم فإن عشت إلى الليل شربته‏.‏

فهكذا كان صبر سالكي طريق الآخرة على بلاء الله تعالى‏.‏

فإن قلت‏:‏ فبماذا تنال درجة الصبر في المصائب وليس الأمر إلى اختياره فهو مضطر شاء أم أبى فإن كان المراد به أن لا تكون في نفسه كراهية المصيبة فذلك غير داخل في اختيار فاعلم أنه إنما يخرج عن مقام الصابرين بالجزع وشق الجيوب وضرب الخدود والمبالغة في الشكوى وإظهار الكآبة وتغيير العادة في الملبس والمفرش والمطعم‏.‏

وهذه الأمور داخلة تحت اختياره فينبغي أن يجتنب جميعها ويظهر الرضا بقضاء الله تعالى ويبقى مستمراً على عادته ويعتقد أن ذلك كان وديعة فاسترجعت‏.‏

كما روي عن الرميصاء أم سليم رحمها الله أنها قالت‏:‏ توفي ابن لي وزوجي أبو طلحة غائب فقمت فسجيته في ناحية البيت فقدم أبو طلحة فقمت فهيأت له إفطاره فجعل يأكل فقال‏:‏ كيف الصبي قلت‏:‏ بأحسن حال بحمد الله ومنه فإنه لم يكن منذ اشتكى بأسكن منه الليلة ثم تصنعت له أحسن ما كنت أتصنع له قبل ذلك حتى أصاب مني حاجته ثم قلت‏:‏ ألا تعجب من جيراننا‏!‏ قال‏:‏ ما لهم قلت‏:‏ أعيروا عارية فلما طلبت منهم واسترجعت جزعوا فقال‏:‏ بئس ما صنعوا‏!‏ فقلت‏:‏ هذا ابنك كان عارية من الله تعالى وإن الله قد قبضه إليه فحمد الله واسترجع ثم غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال‏:‏ ‏"‏ اللهم بارك لهما في ليلتهما ‏"‏ قال الراوي‏:‏ فلقد رأيت لهم بعد ذلك في المسجد سبعة أفراد كلهم قد قرؤوا القرآن‏.‏

وروى جابر أنه عليه السلام قال‏:‏ ‏"‏ رأيتني دخلت الجنة فإذا أنا بالرميصاء امرأة أبي طلحة ‏"‏‏.‏

وقد قيل‏:‏ الصبر الجميل هو الذي لا يعرف صاحب المصيبة غيره ولا يخرجه عن حد الصابرين توجع القلب ولا فيضان العين بالدمع إذ يكون من جميع الحاضرين لأجل الموت سواء ولأن البكاء توجع القلب على الميت فإن ذلك مقتضى البشرية ولا يفارق الإنسان إلى الموت ولذلك لما مات إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم فاضت عيناه فقيل له‏:‏ أما نهيتنا عن هذا فقال‏:‏ ‏"‏ إن هذه رحمة وإنما يرحم الله من عباده الرحما ‏"‏ بل ذلك أيضاً لا يخرج عن مقام الرضا فالمقدم على الحجامة والفصد راض به وهو متألم بسببه لا محالة وقد تفيض عيناه إذا عظم ألمه - وسيأتي ذلك في كتاب الرضا إن شاء الله تعالى -‏.‏

وكتب ابن أبي نجيح يعزي بعض الخلفاء‏:‏ إن أحق من عرف حق الله تعالى فيما أخذ منه من عظم حق الله تعالى عنده فيما أبقاه له واعلم أن الماضي قبلك هو الباقي لك والباقي بعدك هو المأجور فيك‏.‏

واعلم أن أجر الصابرين به فيما يصابون به أعظم من النعمة عليهم فيما يعافون منه‏.‏

فإذن مهما دفع الكراهة بالتفكر في نعمة الله تعالى عليه بالثواب نال درجة الصابرين‏.‏

نعم من كمال الصبر كتمان المرض والفقر وسائر المصائب‏.‏

وقد قيل‏:‏ من كنوز البر كتمان المصائب والأوجاع والصدقة‏.‏

فقد ظهر لك بهذه التقسيمات أن وجوب الصبر عام في جميع الأحوال والأفعال فإن الذي كفى الشهوات كلها واعتزل وحده لا يستغني عن الصبر على العزلة والانفراد ظاهراً وعن الصبر عن وساوس الشيطان باطناً‏.‏

فإن اختلاج الخواطر لا يسكن‏.‏

وأكثر جولان الخواطر إنما يكون في فائت لا تدارك له أو في مستقبل لا بد وأن يحصل منه ما هو مقدر فهو كيفما كان تضييع زمان‏.‏

وآلة العبد قلبه وبضاعته عمره فإذا غفل القلب في نفس واحد عن ذكر يستفيد به أنساً بالله تعالى أو عن فكر يستفيد به معرفة بالله تعالى ليستفيد بالمعرفة محبة الله تعالى فهو مغبون هذا إن كان فكره ووسواسه في المباحات مقصوراً عليه ولا يكون ذلك غالباً بل يتفكر في وجوه الحيل لقضاء الشهوات إذ لا يزال ينازع كل من تحرك على خلاف غرضه في جميع عمره أو من يتوهم أنه ينازعه ويخالف أمره أو غرضه بظهور أمارة له منه بل يقدر المخالفة من أخلص الناس في حبه حتى في أهله وولده ويتوهم مخالفتهم له ثم يتفكر في كيفية زجرهم وكيفية قهرهم وجوابهم عما يتعللون به في مخالفته ولا يزال في شغل دائم فللشيطان جندان‏:‏ جند يطير وجند يسير والوسواس عبارة عن حركة جنده الطيار والشهوة عبارة عن حركة جنده السيار وهذا لأن الشيطان خلق من النار وخلق الإنسان من صلصال كالفخار والفخار قد اجتمع فيه مع النار طين والطين طبيعته السكون والنار طبيعتها الحركة فلا يتصور نار مشتعلة لا تتحرك بل لا تزال تتحرك بطبعها‏.‏

وقد كلف الملعون المخلوق من النار أن يطمئن عن حركته ساجداً لما خلق الله من الطين فأبى واستكبر واستعصى وعبر عن سبب استعصائه بأن قال‏:‏ ‏"‏ خلقتني من نار وخلقته من طين ‏"‏‏.‏

فإذن حيث لم يسجد الملعون لأبينا آدم صلوات الله عليه وسلامه فلا ينبغي أن يطمع في سجوده لأولاده‏.‏

ومهما كف عن القلب وسواسه وعدوانه وطيرانه وجولانه فقد أظهر انقياده وإذعانه‏.‏

وانقياده بالإذعان سجود منه - فهو روح السجود - وإنما وضع الجبهة على الأرض قالبه وعلامته الدالة عليه بالاصطلاح‏.‏

ولو جعل وضع الجبهة على الأرض علامة استخفاف بالاصطلاح لتصور ذلك كما أن الانبطاح بين يدي المعظم المحترم يرى استخفافاً بالعادة فلا ينبغي أن يدهشك صدف الجوهر عن الجوهر وقالب الروح عن الروح وقشر اللب عن اللب‏!‏ فتكون ممن قيده عالم الشهادة بالكلية عن عالم الغيب وتحقق أن الشيطان من المنظرين فلا يتواضع لك بالكف عن الوسواس إلى يوم الدين إلا أن تصبح وهمومك هم واحد فتشغل قلبك بالله وحده فلا يجد الملعون مجالاً فيك فعند ذلك تكون من عباد الله المخلصين الداخلين في الاستثناء عن سلطنة هذا اللعين‏.‏

ولا تظنن أنه يخلو عنه فقلب فارغ بل هو سيال يجري من ابن آدم مجرى الدم وسيلانه مثل الهواء في القدح فإنك إن أردت أن يخلو القدح عن الهواء من غير أن تشغله بالماء أو بغيره فقد طمعت في غير مطمع بل بقدر ما يخلو من الماء يدخل فيه الهواء لا محالة فكذلك القلب المشغول بفكر مهم في الدين لا يخلو عن جولان الشيطان وإلا فمن غفل عن الله تعالى ولو في لحظة فليس له في تلك اللحظة قرين إلا الشيطان‏.‏

ولذلك قال تعالى‏:‏ ‏"‏ ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين ‏"‏ وقال صلى الله تعالى عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن الله تعالى يبغض الشاب الفارغ ‏"‏ وهذا لأن الشاب إذا تعطل عن عمل يشغل باطنه بمباح يستعين به على دينه كان ظاهره فارغاً ولم يبق قلبه فارغاً بل يعشش فيه الشيطان ويبيض ويفرخ ثم تزدوج أفراخه أيضاً وتبيض مرة أخرى وتفرخ وهكذا يتوالد نسل الشيطان توالداً أسرع من توالد سائر الحيوانات لأن طبعه من النار وإذا وجد الحلفاء اليابسة كثر توالده فلا يزال تتوالد النار من النار ولا تنقطع البتة بل تسري شيئاً فشيئاً على الاتصال‏.‏

فالشهوة في نفس الشاب للشيطان كالحلفاء اليابسة للنار‏.‏

وكما لا تبقى النار إذا لم يبق لها قوت وهو الحطب فلا يبقى للشيطان مجال إذا لم تكن شهوة فإذن إذا تأملت علمت أن أعدى عدوك شهوتك وهي صفة نفسك‏.‏

ولذلك قال الحسين بن منصور الحلاج - حين كان يصلب - وقد سئل عن التصوف ما هو فقال‏:‏ هي نفسك إن لم تشغلها شغلتك‏.‏

فإذن حقيقة الصبر وكماله‏:‏ الصبر عن كل حركة مذمومة وحركة الباطن أولى بالصبر عن ذلك وهذا صبر دائم لا يقطعه إلا الموت‏.‏

نسأل الله حسن التوفيق بمنه وكرمه‏.‏

بيان دواء الصبر وما يستعان به عليه

اعلم أن الذي أنزل الداء وعد الشفاء فالصبر وإن كان شاقاً أو ممتنعاً فتحصيله ممكن بمعجون العلم والعمل‏.‏

فالعلم والعمل هما الأخلاط التي منها تركب الأدوية لأمراض القلوب كلها ولكن يحتاج كل مرض إلى علم آخر وعمل آخر وكما أن أقسام الصبر مختلفة فأقسام العلل المانعة منه مختلفة‏.‏

وإذا اختلفت العلل اختلف العلاج إذ معنى العلاج مضادة العلة وقمعها‏.‏

واستيفاء ذلك مما يطول ولكنا نعرف الطريق في بعض الأمثلة‏.‏

فنقول‏:‏ إذا افتقر إلى الصبر عن شهوة الوقاع مثلاً وقد غلبت عليه الشهوة بحيث ليس يملك معها فرجه أو يملك فرجه ولكن ليس يملك عينه أو يملك عينه ولكن ليس يملك قلبه ونفسه إذ لا تزال تحدثه بمقتضيات الشهوات ويصرفه ذلك عن المواظبة على الذكر والفكر والأعمال الصالحة فنقول‏:‏ قد قدمنا أن الصبر عبارة عن مصارعة باعث الدين مع باعث الهوى وكل متصارعين أردنا أن يغلب أحدهما الآخر فلا طريق لنا فيه إلا تقوية من أردنا أن تكون له اليد العليا وتضعيف الآخر فلزمنا ههنا تقوية باعث الدين وتضعيف باعث الشهوة‏.‏

فأما باعث الشهوة فسبيل تضعيفه ثلاثة أمور‏:‏ أحدها أن ننظر إلى مادة قوتها وهي الأغذية الطيبة المحركة للشهوة - من حيث نوعها ومن حيث كثرتها - فلا بد من قطعها بالصوم الدائم مع الاقتصاد عند الإفطار على طعام قليل في الثاني‏:‏ قطع أسبابه المهيجة في الحال فإنه إنما يهيج بالنظر إلى مظان الشهوة إذ النظر يحرك القلب والقلب يحرك الشهوة وهذا يحصل بالعزلة والاحتراز ووقوع البصر على الصور المشتهاة والفرار منها بالكلية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ النظرة سهم من سهام إبليس ‏"‏ وهو سهم يسدده الملعون ولا ترس يمنع منه إلا تغميض الأجفان أو الهرب من صوب رميه فإنه إنما يرمي هذا السهم عن قوس الصور فإذا انقلبت عن صواب الصور لم يصبك سهمه‏.‏

الثالث‏:‏ تسلية النفس بالمباح من الجنس الذي تشتهيه وذلك بالنكاح فإن كل ما يشتهيه الطبع ففي المباحات من جنسه ما يغني عن المحظورات منه‏:‏ وهذا هو العلاج الأنفع في حق الأكثر فإن قطع الغذاء يضعف عن سائر الأعمال ثم قد لا يقمع الشهوة في حق أكثر الرجال ولذلك قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء ‏"‏‏.‏

فهذه ثلاثة أسباب فالعلاج الأول وهو قطع الطعام‏:‏ يضاهي قطع العلف عن البهيمة الجموح وعن الكلب الضاري ليضعف من فتسقط قوته‏.‏

الثاني‏:‏ يضاهي تغييب اللحم عن الكلب وتغييب الشعير عن البهيمة حتى لا تتحرك بواطنها بسبب مشاهدتها‏.‏

والثالث‏:‏ يضاهي تسليتها بشيء قليل مما يميل إليه طبعها حتى يبقى معها من القوة ما تصبر به على التأديب‏.‏

وأما تقوية باعث الدين فإنما تكون بطريقين‏:‏ أحدهما‏:‏ إطماعه في فوائد المجاهدة وثمراتها في الدين والدنيا وذلك بأن يكثر فكره في الأخبار التي أوردناها في فضل الصبر وفي حسن عواقبه في الدنيا والآخرة - وفي الأثر - إن ثواب الصبر على المصيبة أكثر مما فات وإن بسبب ذلك مغبوط بالمصيبة إذ فاته ما لا يبقى معه إلا مدة الحياة وحصل له ما يبقى بعد موته أبد الدهر‏.‏

ومن أسلم خسيساً في نفيس فلا ينبغي أن يحزن لفوات الخسيس في الحال‏.‏

وهذا من باب المعارف وهو من الإيمان فتارة يضعف وتارة يقوى‏.‏

فإن قوي قوى باعث الدين وهيجه تهييجاً شديداً وإن ضعف ضعفه‏.‏

وإنما قوة الإيمان يعبر عنها باليقين وهو المحرك لعزيمة الصبر وأقل ما أوتي الناس اليقين وعزيمة الصبر‏.‏

والثاني‏:‏ أن يعود هذا الباعث مصارعة باعث الهوى تدريجاً قليلاً قليلاً حتى يدرك لذة الظفر بها فيستجري عليها وتقوى منته في مصارعتها فإن الاعتياد والممارسة للأعمال الشاقة تؤكد القوى التي تصدر منها تلك الأعمال ولذلك تزيد قوة الحمالين والفلاحين والمقاتلين‏.‏

وبالجملة فقوة الممارسين للأعمال الشاقة تزيد على قوة الخياطين والعطارين والفقهاء والصالحين وذلك لأن قواهم لم تتأكد بالممارسة‏.‏

فالعلاج الأول‏:‏ يضاهي إطماع المصارع بالخلعة عند الغلبة ووعده بأنواع الكرامة كما وعد فرعون سحرته عند إغرائه إياهم بموسى حيث قال‏:‏ ‏"‏ وإنكم إذاً لمن المقربين ‏"‏‏.‏

والثاني‏:‏ يضاهي تعويد الصبي الذي يراد منه المصارعة والمقاتلة بمباشرة أسباب ذلك منذ الصبا حتى يأنس به ويستجرئ عليه وتقوى فيه منته‏.‏

فمن ترك بالكلية المجاهدة بالصبر ضعف فيه باعث الدين ولا يقوى على الشهوة وإن ضعفت ومن عود نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما أراد‏.‏

فهذا منهاج العلاج في جميع أنواع الصبر ولا يمكن استيفاؤه وإنما أشدها كف الباطن عن حديث النفس وإنما يشتد ذلك على من تفرغ له بأن قمع الشهوات الظاهرة وآثر العزلة وجلس المراقبة والذكر والفكر فإن الوسواس لا يزال يجاذبه من جانب إلى جانب‏.‏

وهذا لا علاج له البتة إلا قطع العلائق كلها ظاهراً وباطناً بالفرار عن الأهل والولد والمال والجاه والرفقاء والأصدقاء ثم الاعتزال إلى زاوية بعد إحراز قدر يسير من القدر وبعد القناعة به ثم كل ذلك لا يكفي ما لم تصر الهموم هماً واحداً وهو الله تعالى‏.‏

ثم إذا غلب ذلك على القلب فلا يكفي ذلك ما لم يكن له مجال في الفكر وسير بالباطن في ملكوت السموات والأرض وعجائب صنع الله تعالى وسائر أبواب معرفة الله تعالى حتى إذا استولى ذلك على قلبه دفع اشتغاله بذلك مجاذبة الشيطان ووسواسه وإن لم يكن له سير بالباطن فلا ينجيه إلا الأوراد المتواصلة المترتبة في كل لحظة‏:‏ من القراءة والأذكار والصلوات ويحتاج مع ذلك إلى تكليف القلب الحضور فإن الفكر بالباطن هو الذي يستغرق القلب دون الأوراد الظاهرة ثم إذا فعل ذلك كله لم يسلم له من الأوقات إلا بعضها إذ لا يخلو في جميع أوقاته عن حوادث تتجدد فتشغله عن الفكر والذكر من مرض وخوف وإيذاء من إنسان وطغيان من مخالط إذ لا يستغني عن مخالطة من يعينه في بعض أسباب المعيشة‏.‏

فهذا أحد الأنواع الشاغلة‏.‏

وأما النوع الثاني‏:‏ فهو ضروري أشد ضرورة من الأول وهو اشتغاله بالمطعم والملبس وأسباب المعاش فإن تهيئة ذلك أيضاً تحوج إلى شغل إن تولاه بنفسه وإن تولاه غيره فلا يخلو عن شغل قلب بمن يتولاه ولكن بعد قطع العلائق كلها يسلم له أكثر الأوقات إن لم تهجم به ملمة أو واقعة وفي تلك الأوقات يصفو القلب ويتيسر له الفكر وينكشف فيه من أسرار الله تعالى في ملكوت السموات والأرض ما لا يقدر على عشر عشيره في زمان طويل لو كان مشغول القلب بالعلائق والانتهاء إلى هذا هو أقصى المقامات التي يمكن أن تنال بالاكتساب والجهد فأما مقادير ما ينكشف مبالغ ما يرد من لطف الله تعالى في الأحوال والأعمال فذلك يجري مجرى الصيد وهو بحسب الرزق‏.‏

فقد يقل الجهد ويجل الصيد وقد يطول الجهد ويقل الحظ‏.‏

والمعول وراء هذا الاجتهاد على جذبة من جذبات الرحمن فإنها توازي أعمال الثقلين وليس ذلك باختيار العبد‏.‏

نعم اختيار العبد في أن يتعرض لتلك الجذبة بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا فإن المجذوب إلى أسفل سافلين لا ينجذب إلى أعلى عليين وكل مهموم بالدنيا فهو منجذب إليها فقطع العلائق الجاذبة هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها ‏"‏ وذلك لأن تلك النفحات والجذبات لها أسباب سماوية إذ قال الله تعالى‏:‏ ‏"‏ وفي السماء رزقكم وما توعدون ‏"‏ وهذا من أعلى أنواع الرزق‏.‏

والأمور السماوية غائبة عنا فلا ندري متي ييسر الله تعالى أسباب الرزق‏.‏

فما علينا إلا تفريغ المحل والانتظار لنزول الرحمة وبلوغ الكتاب أجله كالذي يصلح الأرض وينقيها من الحشيش ويبث البذر فيها وكل ذلك لا ينفعه إلا بمطر ولا يدري متى يقدر الله أسباب المطر إلا أنه يثق بفضل الله تعالى ورحمته أنه لا يخلي سنة عن مطر فكذلك فلما تجلو سنة وشهر ويوم عن جذبة من الجذبات ونفحة من النفحات فينبغي أن يكون العبد قد طهر القلب عن حشيش الشهوات وبذر فيه بذر الإرادة والإخلاص وعرضه لمهاب رياح الرحمة وكما يقوى انتظار الأمطار في أوقات الربيع وعند ظهور الغيم فيقوى انتظار تلك النفحات في الأوقات الشريفة وعند اجتماع الهمم وتساعد القلوب كما في يوم عرفة ويوم الجمعة وأيام رمضان فإن الهمم والأنفاس أسباب‏.‏

بحكم تقدير الله تعالى لاستدرار رحمته حتى تستدر بها الأمطار في أوقات الاستسقاء وهي لاستدرار أمطار المكاشفات ولطائف المعارف من خزائن الملكوت أشد مناسبة منها لاستدرار قطرات الماء واستجرار الغيوم من أقطار الجبال والبحار بل الأحوال والمكاشفات حاضرة معك في قلبك وإنما أنت مشغول عنها بعلائقك وشهواتك فصار ذلك حجاباً بينك وبينها فلا تحتاج إلا إلى أن تنكسر الشهوة ويرفع الحجاب فتشرق أنوار المعارف من باطن القلب‏.‏

وإظهار ماء الأرض بحفر القنى أسهل وأقرب من الاسترسال إليها من مكان بعيد منخفض عنها‏.‏

ولكونه حاضراً في القلب ومنسياً بالشغل عنه سمى الله تعالى جميع معارف الإيمان تذكراً فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وليتذكر أولو الألباب ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ‏"‏ فهذا هو علاج الصبر عن الوساوس والشواغل وهو آخر درجات الصبر وإنما الصبر عن العلائق كلها مقدم على الصبر عن الخواطر‏.‏

قال الجنيد رحمه الله‏:‏ السير من الدنيا إلى الآخرة سهل على المؤمن وهجران الخلق في حب الحق شديد والسير من النفس إلى الله تعالى صعب شديد والصبر مع الله أشد فذكر شدة الصبر عن شواغل القلب ثم شدة هجران الخلق‏.‏

وأشد العلائق على النفس علاقة الخلق وحب الجاه‏.‏

فإن لذة الرياسة والغلبة والاستعلاء والاستتباع أغلب اللذات في الدنيا على نفوس العقلاء‏.‏

وكيف لا تكون أغلب اللذات ومطلوبها صفة من صفات الله تعالى وهي الربوبية والربوبية محبوبة ومطلوبة بالطبع للقلب لما فيه من المناسبة لأمور الربوبية وعنه العبارة بقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ قل الروح من أمر ربي ‏"‏ وليس القلب مذموماً على حبه ذلك وإنما هو مذموم على غلط وقع له بسبب تغرير الشيطان اللعين المبعد عن عالم الأمر إذ حسده على كونه من عالم الأمر‏.‏

فأضله وأغواه وكيف يكون مذموماً عليه وهو يطلب سعادة الآخرة فليس يطلب إلا بقاء لا فناء فيه‏.‏

وعزاً لا ذل فيه وأمناً لا خوف فيه وغنى ولا فقر فيه وكمالاً لا نقصان فيه وهذه كلها من أوصاف الربوبية‏.‏

وليس مذموماً على طلب ذلك بل حق كل عبد أن يطلب ملكاً عظيماً لا آخر له‏.‏

وطالب الملك طالب للعلو والعز والكمال لا محالة‏.‏

ولكن الملك ملكان‏:‏ ملك مشوب بأنواع الآلام وملحوق بسرعة الانصرام ولكنه عاجل وهو في الدنيا وملك مخلد دائم لا يشوبه كدر ولا ألم ولا يقطعه قاطع ولكنه آجل وقد خلق الإنسان عجولاً راغباً في العجلة فجاء الشيطان وتوسل إليه بواسطة العجلة - التي في طبعه - فاستغواه بالعاجلة وزين له الحاضرة وتوسل إليه بواسطة الحمق فوعده بالغرور في الآخرة ومناه مع ملك الدنيا وملك الآخرة كما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ‏"‏ فانخدع المخذول بغروره واشتغل بطلب عز الدنيا وملكها على قدر إمكانه‏.‏

ولم يتدل الموفق بحبل غروره إذ علم مداخل مكره فأعرض عن العاجلة‏.‏

فعبر عن المخذولين بقوله تعالى‏:‏ ‏"‏ كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ إن هؤلاء يحبون العاجله ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم ‏"‏‏.‏

ولما استطار مكر الشيطان في كافة الخلق أرسل الله الملائكة إلى الرسل وأوحوا إليهم ما تم على الخلق من إهلاك العدو وإغوائه فاشتغلوا بدعوة الخلق إلى الملك الحقيقي عن الملك المجازى الذي لا أصل له إن سلم ولا دوام له أصلاً فنادوا فيهم‏:‏ ‏"‏ يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل ‏"‏‏.‏

فالتوراة والإنجيل والزبور والفرقان وصحف موسى وإبراهيم وكل كتاب منزل ما أنزل إلا لدعوة الخلق إلى الملك الدائم المخلد والمراد منهم أن يكونوا ملوكاً في الدنيا ملوكاً في الآخرة أما ملك الدنيا‏:‏ فالزهد فيها والقناعة باليسير منها‏.‏

وأما ملك الآخرة‏:‏ فبالقرب من الله تعالى يدرك بقاء لا فناء فيه وعزاً لا ذل فيه وقرة عين أخفيت في هذا العالم لا تعلمها نفس من النفوس‏.‏

والشيطان يدعوهم إلى ملك الدنيا لعلمه بأن ملك الآخرة يفوت به إذ الدنيا والآخرة ضرتان ولعلمه بأن الدنيا لا تسلم له أيضاً ولو كانت تسلم له لكان يحسده أيضاً ولكن ملك الدنيا لا يخلو عن المنازعات والمكدرات وطول الهموم في التدبيرات وكذا سائر أسباب الجاه ثم مهما تسلم وتتم الأسباب ينقضي العمر ‏"‏ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس ‏"‏ فضرب الله تعالى لها مثلاً فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح ‏"‏ والزهد في الدنيا لما أن كان ملكاً حاضراً حسده الشيطان عليه فصده عنه‏.‏

ومعنى الزهد أن يملك العبد شهوته وغضبه فينقادان لباعث الدين وإشارة الإيمان وهذا ملك بالاستحقاق إذ به يصير صاحبه حراً وباستيلاء الشهوة عليه يصير عبداً لفرجه وبطنه وسائر أغراضه فيكون مسخراً مثل البهيمة مملوكاً يستجره زمام الشهوة آخذاً بمختنقه إلى حيث يريد ويهوى‏.‏

فما أعظم اغترار الإنسان إذ ظن أنه ينال الملك بأنه يصير مملوكاً‏!‏ وينال الربوبية بأن يصير عبداً‏!‏ ومثل هذا هل يكون إلا معكوساً في الدنيا منكوساً في الآخرة ولهذا قال بعض الملوك لبعض الزهاد‏:‏ هل من حاجة قال‏:‏ كيف أطلب منك حاجة وملكي أعظم من ملكك فقال‏:‏ كيف قال‏:‏ من أنت عبده فهو عبد لي‏!‏ فقال‏:‏ كيف ذلك قال‏:‏ أنت عبد شهوتك وغضبك وفرجك وبطنك وقد ملكت هؤلاء كلهم فهم عبيد لي‏.‏

فهذا إذن هو الملك في الدنيا وهو الذي يسوق إلى الملك في الآخرة‏.‏

فالمخدوعون بغرور الشيطان خسروا الدنيا والآخرة جميعاً والذين فإذا عرفت الآن معنى الملك والربوبية ومعنى التسخير والعبودية ومدخل الغلط في ذلك وكيفية تعمية الشيطان وتلبيسه يسهل عليك النزوع عن الملك والجاه والإعراض عنه والصبر عند فواته إذ تصير بتركه ملكاً في الحال وترجو به ملكاً في الآخرة‏.‏

ومن كوشف بهذه الأمور بعد أن ألف الجاه وأنس به ورسخت فيه بالعادة مباشرة أسبابه فلا يكفيه في العلاج مجرد العلم والكشف بل لا بد وأن يضيف إليه العمل‏.‏

وعمله في ثلاثة أمور‏:‏ أحدها أن يهرب عن موضع الجاه كي لا يشاهد أسبابه فيعسر عليه الصبر مع الأسباب كما يهرب من غلبته الشهوة من مشاهدة الصور المحركة ومن لم يفعل هذا فقد كفر نعمة الله في سعة الأرض إذ قال تعالى‏:‏ ‏"‏ ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ‏"‏‏.‏

الثاني أن يكلف نفسه في أعماله أفعالاً تخالف ما اعتاده فيبدل التكلف بالتبذل وزي الحشمة بزي التواضع وكذلك كل هيئة وحال وفعل‏:‏ في مسكن وملبس ومطعم وقيام وقعود كان يعتاده وفاء بمقتضى جاهه فينبغي أن يبدلها بنقائضها حتى يرسخ باعتياد ذلك ضد ما رسخ فيه من قبل باعتياد ضده‏.‏

فلا معنى للمعالجة إلا المضادة‏.‏

الثالث‏:‏ أن يراعى في ذلك التلطف والتدريج فلا ينتقل دفعة واحدة إلى الطرف الأقصى من التبذل فإن الطبع نفور ولا يمكن نقله عن أخلاقه إلا بالتدريج فيترك البعض ويسلي نفسه بالبعض ثم إذا قنعت نفسه بذلك البعض ابتدأ بترك البعض من ذلك البعض إلى أن يقنع بالبقية‏.‏

وهكذا يفعل شيئاً فشيئاً إلى أن يقمع تلك الصفات التي رسخت فيه‏.‏

وإلى هذا التدريج الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى ‏"‏ وإليه الإشارة بقوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ ولا تشادوا هذا الدين فإن من يشاده يغلبه ‏"‏‏.‏

فإذن ما ذكرناه من علاج الصبر عن الوسواس وعن الشهوة وعن الجاه أضفه إلى ما ذكرناه من قوانين طرق المجاهدة في كتاب رياض النفس من ربع المهلكات فاتخذه دستورك لتعرف به علاج الصبر في جميع الأقسام التي فصلناها من قبل فإن تفصيل الآحاد يطول‏.‏

ومن راعى التدريج ترقى به الصبر إلى حال يشق عليه الصبر دونه كما كان يشق عليه الصبر معه فتنعكس أموره فيصير ما كان محبوباً عنده ممقوتاً وما كان مكروهاً عنده مشرباً هنيئاً لا يصبر عنه‏.‏

وهذا لا يعرف إلا بالتجربة والذوق وله نظير في العادات فإن الصبي يحمل على التعلم في الابتداء قهراً‏.‏

فيشق عليه الصبر عن اللعب والصبر مع العلم حتى إذا انفتحت بصيرته وأنس بالعلم انقلب الأمر فصار يشق عليه الصبر عن العلم والصبر على اللعب وإلى هذا يشير ما حكي عن بعض العارفين أنه سأل الشبلي عن الصبر أيه أشد فقال‏:‏ الصبر في الله تعالى فقال‏:‏ لا فقال‏:‏ الصبر لله فقال‏:‏ لا فقال‏:‏ الصبر مع الله فقال‏:‏ لا فقال‏:‏ فأيش قال‏:‏ الصبر عن الله فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف‏.‏

وقد قيل في معنى قوله تعالى ‏"‏ اصبروا وصابروا ورابطوا ‏"‏ اصبروا في الله وصابروا بالله ورابطوا مع الله‏.‏

وقيل الصبر لله غناء والصبر بالله بقاء والصبر مع الله وفاء والصبر عن الله جفاء‏.‏

وقد قيل في معناه‏:‏ والصبر عنك فمذموم عواقبه والصبر في سائر الأشياء محمود وقيل أيضاً‏:‏ الصبر يجمل في المواطن كلها إلا عليك فإنه لا يجمل هذا آخر ما أردنا شرحه من علوم الصبر وأسراره‏.‏

الشطر الثاني في الشكر وله ثلاثة أركان‏:‏ الأول في فضيلة الشكر وحقيقته وأقسامه وأحكامه الثاني في حقيقة النعمة وأقسامها الخاصة والعامة الثالث في بيان الأفضل من الشكر والصبر‏.‏

الركن الأول

بيان فضيلة الشكر

اعلم أن الله تعالى قرن الشكر بالذكر في كتابه مع أنه قال‏:‏ ‏"‏ ولذكر الله أكبر ‏"‏ فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ‏"‏ وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وسنجزي الشاكرين ‏"‏ وقال عز وجل إخباراً عن إبليس اللعين‏:‏ ‏"‏ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ‏"‏ قيل هو طريق الشكر ولعلو رتبة الشكر طعن اللعين في الخلق فقال‏:‏ ولا تجد أكثرهم شاكرين‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وقليل من عبادي الشكور ‏"‏ وقد قطع الله تعالى بالمزيد مع الشكر ولم يستثن فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ لئن شكرتم لأزيدنكم ‏"‏ واستثنى في خمسة أشياء في الإغناء والإجابة والرزق والمغفرة والتوبة فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ يرزق من يشاء بغير حساب ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ ويتوب الله على من يشاء ‏"‏ وهو خلق من أخلاق الربوبية إذ قال تعالى‏:‏ ‏"‏ والله شكور حليم ‏"‏ وقد جعل الله الشكر مفتاح كلام أهل الجنة فقال تعالى‏:‏ ‏"‏ وقالوا الحمد لله الذي صدقناه وعده ‏"‏ وقال‏:‏ ‏"‏ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ‏"‏‏.‏

وأما الأخبار فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم

وروى عن عطاء أنه قال‏:‏ دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت‏:‏ أخبرينا بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت وقالت‏:‏ وأي شأنه لم يكن عجباً أتاني ليلة فدخل معي في فراشي - أو قالت في لحافي - حتى مس جلدي جلده ثم قال‏:‏ ‏"‏ يا ابنة أبي بكر ذريني أتعبد لربي ‏"‏ فقالت‏:‏ قلت إني أحب قربك لكني أؤثر هواك فأذنت له فقام إلى قربة ماء فتوضأ فلم يكثر صب الماء ثم قام يصلي فبكى حتى سالت دموعه على صدره ثم ركع فبكى ثم سجد فبكى ثم رفع رأسه فبكى فلم يزل كذلك يبكي حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة فقلت يا رسول الله ما يبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال‏:‏ ‏"‏ أفلا أكون عبداً شكوراً ولم لا أفعل ذلك وقد أنزل الله تعالى علي ‏"‏ إن في خلق السموات والأرض ‏"‏ الآية وهذا يدل على أن البكاء ينبغي أن لا ينقطع أبداً‏.‏

وإلى هذا السر يشير ما روي أنه مر بعض الأنبياء بحجر صغير يخرج منه ماء كثير فتعجب منه فأنطقه الله تعالى فقال‏:‏ منذ سمعت قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ وقودها الناس والحجارة ‏"‏ فأنا أبكي من خوفه فسأله أن يجيره من النار فأجاره ثم رآه بعد مدة على مثل ذلك فقال‏:‏ لم تبكي الآن فقال‏:‏ ذاك بكاء الخوف وهذا بكاء الشكر والسرور‏!‏ وقلب العبد كالحجارة أو أشد قسوة ولا تزول قسوته إلا بالبكاء في حال الخوف والشكر جميعاً‏.‏

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ ينادى يوم القيامة ليقم الحمادون فتقوم زمرة فينصب لهم لواء فيدخلون الجنة ‏"‏ قيل‏:‏ ومن الحمادون قال‏:‏ ‏"‏ الذين يشكرون الله تعالى على كل حال ‏"‏ وفي لفظ آخر ‏"‏ الذين يشكرون الله على السراء والضراء ‏"‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الحمد رداء الرحمن ‏"‏‏.‏

وأوحى الله تعالى إلى أيوب عليه السلام‏:‏ إني رضيت بالشكر مكافأة من أوليائي - في كلام طويل -‏.‏

وأوحى الله تعالى إليه أيضاً في صفة الصابرين‏:‏ أن دارهم دار السلام إذا دخلوها ألهمتهم الشكر وهو خير الكلام وعند الشكر أستزيدهم وبالنظر إلي أزيدهم‏.‏

ولما نزل في الكنوز ما نزل قال عمر رضي الله عنه‏:‏ أي المال نتخذ فقال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ ليتخذ أحدكم لساناً ذاكراً وقلباً شاكراً ‏"‏ فأمر باقتناء القلب الشاكر بدلاً عن المال‏.‏

وقال ابن مسعود‏:‏ الشكر نصف الإيمان‏.‏